منذ 5 يوم و 2 ساعة 0 73 0
د. يوسف عبدالله المحامي يكتب: ما بيني وبين قوانين سبتمبر 1983
د. يوسف عبدالله المحامي يكتب: ما بيني وبين قوانين سبتمبر 1983
د. يوسف عبدالله المحامي يكتب: ما بيني وبين قوانين سبتمبر 1983

الدكتور يوسف عبدالله الطيب ـ المحامي ـ يكتب المقال (15)

ما بيني وبين قوانين سبتمبر 1983

   إن الاسلام هو : صدق الاستسلام لله  تعالي وحسن الانقياد اليه و طاعته ، وبذل الجهد والوسع لمعرفته عزّ وجلّ ، وكل عمل حتى يكون من الاسلام فإن له شرطين :

      1 ـ أن يكون عملا صالحا، فالفساد لن يكون من صدق الاستسلام لله مهما كان.

     2 ـ ان يكون خالصا لوجه الله تعالي ولا يشرك فاعله مع الله غيره.

      وكل عمل لا يكون صالحا وخالصا لوجه الله  تعالى ولا ينفع صاحبه يوم الدين فلن يكون من الاسلام أبدا، فمن يصلي مرائيا فقد اشرك ، ولهذا عندما أدخل نميري العقوبات الحدية في قانون العقوبات لسنة 1983 ( قوانين سبتمبر) ، مدعيا أنه يعلن تطبيق شرع الله ، و قد كنت وقتها رئيسا لمجلس قضاة في محكمة جنايات ام درمان وسط ، و كان لزاما علي تطبيق الحدود ، وضعت هذا المعيار امام عقلي وضميري ، فدرات العقوبات الحدية ورأيت توقيع عقوبات تعزيرية ، ليقيني أن نميري ما قصد وجه الله تعالي ولكنه قصد حماية حكمه المتهاوي بعد استقالات القضاة المشهورة واضراب الاطباء وبداية تحرك الشارع ، وان عمله ما كان صالحا ولكنه كان استفلالا  لدين الله الاسلام لإرهاب الناس , وان نميري ومن معه كانوا فاسقين و لصوص و ما كانوا اهلا لولاية تحكيم شرع الله ، وقد عددت اسباب رفضي اذكر بعضها هنا مختصرا :

      1 ـ إن ما أعلن من قوانين ليس شرع الله ولا حكمه ، وتشويه حقيقي له ، فحكم الله هو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  ، أما أن يكتب من يكتب ما يكتب ويدعى أن ذلك شرع الله فلن يجعل منه ذلك حكم الله ، وسيظل قانونا وضعياً

     2  ـ  أن الحكم القائم ليس حكماً إسلامياً . أنه حكم الفرد المطلق والملك العضود ، فأول مقومات حكم المسلمين الشورى ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) صدق الله العظيم . فالتشاور بحسبانه الجلوس بعقل مفتوح وعاطفة صادقة لمعالجة الأمر الذي يشكل علي المسلمين أعمق بكثير من حق المشاركة الديمقراطية في النظم السياسية الحديثة كما يعرف كل قانوني . أما النظام الحالي ، لا أخذ بالديمقراطية ولا ترك سبيلاً للمسلمين للتشاور مخالفاً بذلك أمر الله تعالي وتطور العلم

     3 ـ  أن المسلك الشخصي  للقائمين بأمر المسلمين والالتزام بشرع الله ، وصدق المقصد في العمل على مصلحة عباده ضرورة هامة لولاية أمر المسلمين . والكل يعلم حجم الشبهات التي تحوم حول الكثيرين من شاغلي  المناصب العليا في البلاد . فقد نهبوا بلا حدود ، وقد فسقوا بلا حدود ، فكانوا بذلك أقل الناس حقاً في ولاية أمر المسلمين .

     4 ـ لقد صدرت هذه القوانين دون الاقتداء بمذهب معين . وعلى افتراض أن تطور الحياة يقتضي عدم الالتزام بمذهب معين ويقتضي الاجتهاد ، أقول : من هم هؤلاء المجتهدون الذين اضطلعوا بهذه المهمة الكبيرة الصعبة ؟  فالحديث عن مشرع وهمي ومجهول لا يعكس إلا الغباء والسذاجة أو الغرض . فليس سراً أن هذه القوانين قد صاغها رجلان و امرأة ليس بينهم من تؤهله معرفته ليكون مجتهداً أو مشرعاً . وما قاموا به لا يستند على منهج ولا يلتزم بمصدر. وما توصلوا إليه هو نفس القوانين القديمة محشوة بالتشويه والأخطاء . فكيف نسمي هذا الخليط حكم الله ؟  وكيف أتحمل المسئولية كقاضي في حدود الله  ؟ مخادعاً بذلك نفسي عن هذا التشويه .

    5 ـ إن تطبيق الحدود يقتضي العدالة الاجتماعية الكاملة  ...الخ

     6 ـ إن القوانين التي أصدرت كانت إعادة مخفيه للسلطة الدينية وسلطة الكنيسة في عصور أوروبا المظلمة ... إن معصية الحاكم في أي أمر هي معصية لله  ... ووقوفها في وجه العلم والعلماء ، وإنكار للتطور الهائل في العلوم الطبيعية والاجتماعية ،

     7 ـ لقد صدرت القوانين الحالية في عجلة و ارتجال ، وأملتها ظروف معينة ، ولم يراعى فيها التدرج المطلوب . والتدرج هنا لا يعني العمل الإداري و الإعلامي ، وإنما مراعاة الظروف الموضوعية للتطور الاجتماعي وتكوين البلاد العرقي والثقافي . ففي جنوب بلادنا... مثلاً ... ما زالت تعيش قوميات كثيرة في حالة البدائية والوثنية ، أو لهم عقائد أخرى ، ولم يراعى ذلك في هذه القوانين ، ولم يؤخذوا بالحسنى . وقد خلق ذلك في  نفوسهم موجة من الهلع والخوف والرفض .

     8 ـ كان من الممكن ، وباستغلال ذكي ومسئول للعاطفة الدينية الصادقة للمؤمنين والعلم الحديث ، أن يكون الإسلام دافعاً قوياً ومصدر حماس يملأ الناس بالأمل والثقة لصنع المعجزات في بلادنا .

        وغيرها .. وقد صدر قرار بإيقافي عن العمل . و أمر مولانا / الصديق أحمد عبد الحي ، رئيس الجهاز القضائي للخرطوم بالتحقيق معي على أساس أن ما كتبته لا علاقة له بموضوع الدعوى ، وإنما هو انتقاد صريح للتشريع والقوانين الجديدة لعام 1983 ، وانتقاد صريح لولاة الأمر.  وقد أتاح لي مولانا جعفر السنوسي ،  قاضي المديرية الذي أجري معي التحقيق ، الفرصة لتقديم دفاعي مكتوباً  ، فكتبت في دفاعي قائلا :   

     وبالاحترام التام لمولانا الصديق أحمد عبد الحي ، فهو إلى جانب المنصب الرفيع الذي يتولاه أستاذي ، وله علي فضل المعلم ، وقد كان لي الشرف الأرفع في أنى يوماً كنت أحد طلابه . أقول : بالاحترام التام له أرجو أن أستمحيه العذر ، وأن أطلب إليه بأدب جم أن يسمح لي بمخالفته الرأي:

     أولاً : أنا لم أنتقد القوانين الجديدة بقصد رفض تطبيقها ، فأنا لست ضد القوانين التي صدرت على الإطلاق ، ولكني مع شرع الله ، وضد العبث بحدوده والاستهتار بها ، وضد استغلال حدود الله لإضفاء طابع القداسة على قوانين هي من صنع واضعيها، وضد تجاهل التطور الهائل في شتى العلوم ، وتخويف الناس من المعرفة العلمية، وتصوير العلم على غير حقيقته، وأن العلماء يستهدفون عقيدة المسلمين .

     ثانيا ً: أنا لم أنتقد ولاة الأمر بحسبانهم سياسيين يمارسون عملاً سياسياً . فهذه مسألة أوضح من شمس الصيف . ومسألة ليس مكانها إجراءات المحاكم ، ولها مكانها ورجالها . ولكن في الأمر جديد ... وجديد هام ... وهو تطبيق للحدود . إن تطبيق الحدود يشترط الحكام العدول ، أطهار المستور والمظهور ، صادقوا القصد لخير العباد , وقد وضعت ولاة الحدود أمام ( الأشعة السينية ) التي وهبها الله لعقلي ، فلما كشفت لي ما تخفيه جلودهم قلت به . فمن حقي ، ومن واجبي  ، ومن اختصاصي مناقشة ولاة الحدود . فأنا الذي يوقع العقوبة الحدية،  وأنا الذي يتحمل فيها المسئولية أمام الله .

     ثالثاً : ان ما كتبته كان من صميم موضوع القضية ومن صميم اختصاصي  وهو: كيف أدرأ الحد ؟ فأنا قاضى الموضوع ، وأنا الذي يناقش مسألة درء الحدود .  صحيح إن الذي يرد للذهن مباشرة هو أن القاضي ليدرأ الحد عن المتهم فانه يناقش الظروف الذاتية أو الخاصة بالمتهم من جوع ، وجهل ، وإكراه . ولكنى نظرت إليها من زاوية أكبر ، ومن زاوية الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة والتي تحيط بكل الناس وبكل متهم . لقد رأيتها من نفس المكانة التي وقف عليها ، وسرت على نفس الطريق الذين ابتدره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه عندما عطل حد السرقة في عام الرمادة ،

     ما قمت به من صميم موضوع القضية ، والانحراف به الى غير ما هدفت إليه بادرة خطيرة ، وسيحول جهاز العدالة الى جهاز للاتهام ، ويفقده وظيفته . فالعمل القضائي والقانوني ، بحكم طبيعته ، يحتمل أكثر من وجهة ... سياسة مثلاً ... فابتداء من جرائم الخيانة العظمى والقضايا الدستورية وحتى الاتهام تحت طائلة المادة 127 عقوبات تحمل مضموناً سياسياً . ولكن القاضي يستطيع إن يفصل بين الوظيفتين ... السياسية والقضائية ... بمبضع القاضي الحصيف ، وبأسلوب الكيميائي المتمكن ،

     رابعاً : أهم من ذلك كله ... إن ما كتبته كان في إجراء قضائي سليم ، وكان رأياً معارضاً  ، وقد كان رأياً في غرفة المحكمة مغلفه للمداولة ، ولم يقرأ على العلن ، ولا يعد جزء من محضر القضية ،

       وقد لخص مولانا جعفر التحقيق ، وكان من رأيه أن  ما قمت به كان إجراءً قضائياً سليماً ، وأنه كان تصرفاً في إطار القانون ولا يشكل أية مخالفة ، وينبغي معالجته علي أنه رأي قاضي مهما اختلفت معه المحاكم الأعلى . ومع ذلك اوصي مجلس محاسبتي بعزلي من ولاية القضاء  ، وتم عزلي رغم انه لم تقدم ضدي قضية ادعاء أو شهود لان قاضي الادعاء قال لا توجد مخالفة مني للقانون وأن ما قمت به كان إجراءً  قضائياً سليماً ، ولم يطلبه المجلس ليدلي بأقواله ، ورغم اني لم ارفض تطبيق القانون ولكني درأت العقوبات الحدية  واقترحت عقوبات تعزيرية ، والعقوبات التعزيرية هي من صميم القانون .

         كما أني لم اقدم استقالتي ، وأني قد أًجبرت عليها كما اساء إليّ احد الزملاء السابقين ، عفاه الله ، وقائلا ان محاسبتي علي درئي للعقوبات الحدية كانت سليمة ، ولكني أقول له : معذرة ، فما انا ذلك الرجل الذي يضعف في المواقف واقدم استقالتي، أو أُجبر علي فعل شيء لا يقبله عقل ووجدان الرجل النبيل ، فرجائي أن تخبرني بالجهة التي سعت لإجباري حتى أعرفها ، أو أن أخذل زملائي القضاة الشرفاء الذين وقفوا الي جانبي ، أو أخيب ظن الالاف من شعب السودان النبيل الذين رحبوا بما قمت به . واقول له : معذرة مرة أخري ، فاذا كان الحياء في الماضي قد عقد لسان عن الحديث عن نفسي ، فأرجو ان تسمح لي بالكلام اليوم حتي اطهر ثيابي مما نسبته لي ظلما ، وأقول : اذكر لي قاضي واحد.. أعيد قاضي.. غيري في كل تاريخ المسلمين من وقف ضد طاغية  وهو في عزّ سطوته وقال له : هذا ليس شرع الله ولا حكمه ، و قال له : انت ومن معك فاسقين ولصوص وليس اهلا لتحكيم شرع الله . سامحك الله ، فبأي ضمير تدعي ان محاسبتي كانت سليمة ؟ رجيا الاّ تكون أنت ممن نفذوا العقوبات الحدية وقمت بجلد الناس ، و بتر أيدي الجياع عندما كنت قاضيا في الكاملين.

        أما أنا فضميري راضي عما فعلت ، فما كنت لأشارك الطاغية في جريمته بتشويه دين الله  وأذل الناس بجلدهم ، أو أبتر أطراف الجوعى والمشردين، ولقد فصّلت كل ذلك في كتابي : ما بهذا بعث النبي صلي الله عليه وسلم ، وفيه رأيي ودفاعي كاملين، و فيه ما قام به زملائي القضاة نحوي بما شرفني وزادني فخرا وعزا ، فقد البسوني وشاح شرف لم يلبسوه لقاضي سواي ، فلهم مني عاطر الثناء والحمد ، وفيه حصاد تطبيق تلك القوانين الجائرة ، ولقد اصدر سعادة رئيس القضاء مولانا محمد ميرغني مبروك قرارا قضي ببطلان عزلي بعد انتفاضة الشعب وزوال حكم الطاغية. ولقد صادرت حكومة الترابي ـ البشير كتابي وابادوه ، ولكني اعدت اصداره لتبرئة دين الله مما قام به نميري وقضاة الجور ، ولأقول للعالم أجمع : هذا من صنع المنافقين وحدهم وما به بعث النبي صلي الله عليه وسلم. وانا في داخل السودان وتحت سلطتهم ، ولم أهرب الي المنافي لأكيل لهم السباب وأنا في مأمن.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

مشرف عام
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة

بلوك المقالات

الأخبار

الصور

اعلانات اخبار اليوم