الخميس, 07 فبراير 2019 02:16 مساءً 0 354 0
اراء حرة
اراء  حرة

العبقرية النوبية

حال اهلنا النوبيين في التعاطي مع حضارتهم العريقة كحال (الضرس يتاور) ويبعث قلقا في سائر الجسد لا يهدأ ولا يزول ألمه الا علي اعتاب فكرة ناضجة تولد من رحم الاحساس العميق بالحرية التي يخرج من ثناياها الإبداع ويتخلق فيها الأحلام , وحكاية النوبيين مع الحرية ليست هبة تسربت اليهم ولا عطية من صاحب فضل وجميل بل الحرية هنا وثيقة ميلاد تعطى مع حليب الامهات ووسادة هدهدة الأطفال , الحرية هنا من مستلزمات والنشأة الأولى هكذا اسلوب التربية في النوبة ينمي الاعتداد بالذات واستغلالية الرأي دون التوغل في حقوق الأخرين واغتصاب حقوقهم , ومن هنا كان تمرد النوبي علي كل القوالب المعدة سلفا والتمرد علي الطاعة العمياء التي تضيق فيها مساحات الرأي الأخر وهو اسلوب التربية في المجتمعات الرعوية التي يعقد فيها لواء الرأي والكلمة الأخيرة الفاصلة حتى في القضايا الشخصية لرب الأسرة أو الزعيم , الذي لا تتجاوز هذه المجتمعات ولا تتخطى رمزيته بغض النظر عن وجاهة رأيه وصوابه أو خطئه.
والفارق أن النوبيين نشأوا في مجتمعات زراعية غرست فيهم الانتماء للأرض التي تتلود فيها الأشياء وتبعث السعادة في الإنسانية وفوق ذلك وفرت لهم الاستقرار وهو نواة التفكير والتأمل في معطيات الطبيعة والتي امتدت اليها حياة النوبيين معولا وسنبلا وروحا , فكانت خيوط الحضارة التي أينعت من عمق التفكير ودهاليز البحث , بل انتجت انسانا متصالحا مع ذاته بنفس نقية لا ينمو فيها النفاق والتملق وتصبح صالحة وخصبة للاحتفاء بالعطاء الشخصي , ومن هنا كانت النزعة الفردية في التفكير و الاختيار والتي لا تأخذ الاشارات والأوامر من الرموز كما تفعل (الامعات) وظل الانسان النوبي منذ ذلك الزمان الغابر يثير جدلا تتقاصر عنه خطى المعرفة ومحاولات فهم الدواخل تمهيدا (للقولبة والاستيعاب)فهو يتقدم (الحذية) دائما بخطوة لانه يسأل عن مبرر الفعل قبل الاتيان به وهذا لعمري قمة الصدق والتصالح مع الذات , وهذا المد الإنساني الحضاري ما زال يترى من نوافذ الحرية المشرعة التي لا تزيدها السنوات الا القا وتصميما , والحكاوي التي أطلت من نوافذ الحرية كثيرة ومتنوعة لعلنا نشير لاحداها استكمالا لحديثنا عن قيمة الحرية عند النوبيين , فتقول الرواية ان عمدة دبيرة بوادي حلفا في بواكير الستينات من القرن الماضي وبعد شعوره ان السن تقدمت به قرر أن يتنازل عن عرش العمودية لابنه الشئ الذي وجد استهجانا ورفضا من أهالي دبيرة والذين قرروا ارسال وفد لمقابلة وزير الداخلية للمطالبة بأن تكون عمودية دبيرة بالانتخاب الحر وكان الأمر في ذلك الزمان غريبا ولم يجد الوزير بدا من الموافقة وهو مندهش , وبالفعل جرت الانتخابات بين مرشح العمده ومرشح الجماهير الذين وقع اختيارهم علي السيد داود عبدالرحمن الذي وفقه الله بالفوز علي مرشح العمدة , هكذا العبقرية النوبية تتحفنا كل يوم بدرس في الحرية .

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

الكاريكاتير