الجمعة, 25 مايو 2018 08:04 مساءً 0 1 0
كان للثقــافة دار أمام القصر الجمهوري
كان للثقــافة دار أمام القصر الجمهوري

 بقلم: محمد المكي إبراهــيـــم

لا ادري أين راحت تلك الدار.. ومن يحتلها الآن من الهيئات والمؤسسات أو الأفراد ولكنني أطلب من الذي له علم بما حدث لهذه الدار ان يضيف لهذا المقال هامشا صغيرا يوضح ما صارت اليه تلك الدار

كانت تقع على شارع الجامعة خلف وزارة التجارة (القائمة حتى اليوم )ويفصلها عن القصر الجمهوري عرض الشارع(أي عشرين مترا بالتقريب).ويقابلها على ضفة الشارع الأخرى الكنيسة الانجليكانية الملحقة بالقصر والتي تحولت مع الازمان الى شيء آخر لا ادري كنهه ومن جديد اطلب من المحرر ان يفيد. 

كانت بناية كولونيالية صغيرة على هيئة من الجمال المعماري بلونيها الأبيض والأحمر الداكن وحديقتها الواسعة ذات النجيل الاخضر كانت هي المنتدى الحقيقي إذ كانت مقاعدها تخرج في العصاري في الأيام العادية وتنتظم قي حلقات حول مناضدها الخشبية او تنتظم في صفوف متلاصقة حين يكون هنالك محاضرة او ندوة .

داخل الدار كان هنالك عدد من الغرف-ثلاثة او اربعة وصالة واسعة مؤثثة بكراسي فوتيل أي من النوع الواسع العريض وأرائك من نفس الطراز ورفوف وزجاجيات وكانت المكتبة في احدى تلك الغرف وهي مجموعة من المراجع غير القابلة للاستلاف.

اخذني الى تلك الدار صديقي وتوأم روحي الأستاذ عثمان سنادة الذي اشتغل لاحقا بالصحافة تاركا كتابة القصة التي كان شديد البراعة فيها 

قال لي:ستنعقد ندوة لمناقشة ديوان «أصداء النيل» لعبد الله الطيب

قلت اين

قال في دار الثقافة

قلت اين هي دار الثقافة؟

كان سنادة يمتاز عنا جميعا بحبه للمشي وإسراعه فيه حتى ليصعب علينا نحن اصدقاؤه الكسالى ان نماشيه فبعد الخطوات الاولى تجد انه صار يتقدمك وتضطر لرفع صوتك ليسمعك وحين تتمدد المسافة بينك وبينه بسبب من خطواته الواسعة وغرامه بالاندفاع عملا بالحكمة العمرية القائلة:الرجل إذا مشى أسرع واذا تكلم اسمع فإذا به قد وقف ينتظرك على سبيل الرحمة لك والرأفة بك وهنالك تتبادلان عتابا من نوع:

-طاير كده لاحق شنو

فيقول: لستم شبابا وانتم تقدلون هكذا.. الشاب من يمشي مشيتي هذه.

لااذكر اين التقينا ولكننا وصلنا دار الثقافة معا واخترنا مقاعدنا في وسط الجمهور الذي راح يتقاطر على الدار.

كان هنالك محمد محمد على الشاعر الناقد ومعلم اللغة العربية في الثانويات يقابله او يشاركه التقديم الأستاذ كمال شانتير المحامي وكان واحدا من ابرز الوجوه الثقافية لزماننا.

هاجم الاستاذ محمد شعر عبد الله الطيب واتهمه بالصنعة وتقمص الشعراء القدامى والنسج على منوالهم بصورة افقدت شعره صفات المعاصرة والتعبير عن المجتمع الذي يعيش فيه

ولم يكن شانتير اقل عداوة لذلك الشعر فقد قال عنه انه لا يعبر عنه ولاعن جيله وانه لذلك لا يهمه في شيء ولا يعنيه.

نهض رجل عظيم الهامة يرتدي بذلة كاملة (دبل برس) ويحمل عصا ثقيلة ضخمة الكراديس (اتضح فيما بعد انه السيد اسحق الخليفة شريف )وقال كلمات لا زلت اتذكر بعضها فمنها قوله ان الشاعر يعبر عن النفس والنفس ظلام تنبعث منه جميع الانوار ! والشاعر ليس ملزما بالتعبير عنك او عن جيلك او جيل آبائك وختم حديثه قائلا:أما قلة أدب!

ونهض للدفاع الشاعر الكبير محمد المهدي مجذوب ولا اتذكر حجته في ذلك الدفاع ولكن الأستاذ محمد محمد على عزاها الى القربي بين المجذوب وعبد الله الطيب وكان يقول للمجذوب أنت وابن عمتك لا تستطيعان ...لا تفعلان او تتركان وكان عليه سيماء الغضب بينما كان المجذوب هادئا وساخرا وأحيانا غير جاد.وفي اليوم التالي انتقلت العركة الى صفحات جريدة الثورة التي كان يرأس تحريرها الاستاذ عبد الله رجب وكانت سخية بصفحاتها فقد كانت تصدر في ثمانية صفحات من القطع الكبير وكان الباعة الصغار يسومونها في الاسواق صائحين : البرش بقرش وقد دامت المناوشات القلمية بين الكاتبين ردحا طويلا ولا ادري هل توفر على جمعها وتحريرها احد الادباء السودانيين ففيها مادة غنية تضيء جوانب هامة من حيوات الأدباء الثلاثة محمد والمجذوب وعبد الله الطيب.

بعد ذلك بعقد من الزمان تعرفت على المجذوب بصورة شخصية وعرفت ان علاقته بمحمد محمد على تنطوي على انواع من الهزل والمزاح يريد بها المجذوب ان يستثير محمدا ويحمله على درجات من العنف الكلامي المستطاب.

شهدت طرفا من تلك المداعبات حين اقام الوزير عبد الماجد ابو حسبو(وزير الإعلام والثقافة حينها) أقام حفل عشاء في داره على شرف الشاعر نزار قباني فطلبوا مني ان اقرأ قصيدة من شعري واخترت ساعتها واحدة من قصائدي الزنزباريات والتي أدخلت فيها اداة التعريف على الفعل المضارع مثل قولي:

الله من ذلك اليقتل واليحيى ويصنع الدوار

فقال المجذوب لمحمد

-انظر إلى ولدنا هذا وكيف ادخل الالف واللام على الفعل..هل لك علم بذلك؟

فانفعل محمد وقال له:انت الذي ليس له علم يا جاهل.. والله لو شئت لجئتك

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير