الجمعة, 13 يوليو 2018 07:14 مساءً 0 1 0
هواجس_عانس_أربعينية
هواجس_عانس_أربعينية

بقلم: صفاء عثمان سرالختم

الصورة الرابعة للبويضة الرابعة في الثلاثين, كانت هذه الصورة لتوأم فتاة وصبي، كانت الفتاة جميلة جداً، مطيعة ولطيفة، وغاية في الجمال والبهاء. نظرت إلى الطفل التوأم: يآه.. هو نفسه طفل البويضة الثالثة في الخامسة والعشرين، هو نفسه بكلماته التي تكبره سناً، ذكائه هدوئه، شغبه ونبوغه، وشكله الجميل ولطافته. بكت أكثر وهي تقول: إذن لو كنت تزوجت عند التاسعة والعشرين، لأنجبت توأماً، وأخذت تراقبهما وهما يلعبان معاً، ويتضاحكان، تعلقت بهما جداً. وفجأة بدأ الطفلان يبحثان وهما يقولان: ماما.. أين أنت ياماما؟. وظلت تصرخ، وهي تقول: أنا هنا.. أنا هنا ولكنهما لا يسمعانها. وظلت تصرخ: أنا هنا.. وتبكي بحرقة وتردد: تعالوا أنا هنا! وفجأة اختفت صورتهما وأخذت تصرخ وتصرخ: ابني .. بنتي أنا هنا! واستيقظت الممرضة على صوت صراخها, وأسرعت تنادي الطبيب, أستيقظت, ثم كفت عن الصراخ, وظلت تبكي بشدة وأنين. ظلَّ الطبيب ينظر إليها وهو يقول: نعم انت هنا. وفجأة دق الباب. فتحت الممرضة الباب، كان ذلك الشرطي، استأذن بالدخول، فدخل, وجلس بالمقعد المقابل، واستأذن الطبيب لأجراء الإستجواب. فأشار الطبيب برأسه بالايجاب فقال الشرطي: مرحباً ما أسمك؟_ ردت: إسمي الضائعة وسط الأمواج، التائهة بين أحضان الأحزان، إسمي.. لا أدري؟ كرر الشرطي السؤال: لو سمحت ما هو اسمك؟. قالت: اسمي أمل، ولكن الأمل انقطع_  أمل من؟_ أمل عبد الرؤوف_  قال الشرطي: أمل عبد الرؤوف، لماذا حاولتِ الانتحار؟_ ردت:  أحاول أن أتحرر من أحزاني وآلامي، أحاول أن انعتق من واقعي المرير، أحاول التحليق بعيداً حيث أجد شيئاً مفرحاً، فهنا دوري قد انتهى في هذه اللعبة، وأبحث عن لعبة أخرى، ألعب فيها مع أشخاص آخرين، بدون أن يكون هناك خط نهاية, أو صفارة انذار أو خسارة. كان الطبيب يسجل كل ما تقوله، ويضع  ملاحظاته على كلماتها. كرر الشرطي سؤاله لها كأنه لم يسمع شيئاً: أمل عبد الرؤوف، لماذا حاولت الانتحار؟. ضحكت أمل بشدة وهي تقول: لا أريد أن انتظر الأربعين عاماً وهى تضحك علىَّ، وتسخر مني إنني لم أُنجز فيها شيئاً، خسرت فيها كثيراً أكثر مما كسبت، خسرت بويضاتي، خسرت أولادي أيها الشرطي، هل خسرت أنت حيواناتك المنوية؟ هل لديك فترة سماح مؤقته بعدها تنتهي اللعبة؟ هل فكرت يوماً بإحساس إمرأة؟ هل انتابك احساس بإنتهاء اللعبة؟. نظر إليها الشرطي بإندهاش، فطلب منه الطبيب تركها ترتاح قليلاً. استأذن الشرطي وهو يقول: ليس هناك شيء آخر، فقط سؤال واحد يمكنكم معرفته عندما تكون مستعدة، وسأترك أحد العساكر هنا لكي ترسلوا الاجابة معه. رد الطبيب: مكان السكن أليس كذلك؟ رد الشرطي وهو يخرج: نعم.. شكراً لكم لتعاونكم معنا، ثم خرج الشرطي وأغلق الباب خلفه.
كانت ترقد في سريرها كأنها ترقد على فراش الموت، تدلل النوم لكي يتسلل الى عينيها بلا جدوى، فكانت من كل ذكرياتها تتألم وتتحسر، فبعد غد سيكون عيد ميلادها الأربعون، ظلّت تفكر كيف وصل بها الأمر إلى هذه الحالة المتأخرة من العنوسة؟ وكيف هي كانت تلهث وراء الحياة؟ والحياة تهرب منها. وكانت تظن أن هناك ما هو أهم دائماً من الزواج وانجاب الأطفال، بل كانت تعده أمراً تقوم به الفاشلات. أما الآن فهي تعض أنامل الندم والحسرة. نزلت دموع ساخنة على خديها ثم تذكرت قصة حبها الفاشلة، وحبيبها الذي أحبته وضحت من أجله بأعز سنين عمرها، ولكنه ظلّ سراباً بعيداً، وحلماً راحلاً، بعد أن سافر وانقطعت أخباره عنها. همست: أين أنت يا عزيزي، كانت تحلم بأن تكوِّن معه أُسرة جميلة وصغيرة، مكونة من أربعة أطفال وحبيبها وهي. كانت انسانة مرتبة ومنظمة، حتماً كنت سارعاهم جيداً, ولكن.. رددت هذا الكلام في خاطرها وأردفت: ولكنك لم تعد. كانت تلك الهواجس والأفكار تغض عليها مضجعها وتقلل راحتها، مثل براغيث الليل المزعجة. كانت تخطط، تفكر، وتبني طموحاتها الممزقة، لعلها تتناسي مأساتها، كل شيء كان يؤرقها. سألت نفسها: كيف أوصلت نفسي إلى تلك الحالة المذرية؟ لماذا لم أفكر بأن أتزوج أيّاً من الذكور، وأخلص من هذا الكابوس؟ هذا ما قالته لنفسها وهي  مستلقية.
كانت أمامها ساعة حائط تدق بصوت مسموع، دق ... دق..... دق وهي تراقبها بشدة، كلما مرّت عقرب الدقائق، كانت تتألم بشدة، كأنها كانت تمشي فوق جراحها وآلامها، معلنه ساعة الصفر (أربعون عاماً) ولكن ما زال هناك يوم ونصف على ساعة الصفر، وما زلت في التاسعة والثلاثين. طمأنت نفسها قليلاً جداً بهذا الخاطر، ثم خرجت تتمشى إلى أن وصلت إلى الكبرى الحديدي، وسقطت  في الماء.
كانت نائمة في سرير المستشفى ذي المفارش البيضاء. دخل عليها الطبيب، سلم عليها: كيف حالك اليوم؟- بخير شكراً. غداً هو عيد ميلادها الأربعون. جلس الطبيب بجانبها قليلاً وأخذ يتكلم معها محاولاً تغيير حزنها وإدخال السرور عليها، فكانت أحياناً تبتسم، وأحياناً تضحك، ثم خرج الطبيب. وفي صباح اليوم التالي، يوم عيد ميلادها الأربعون، جاء شاب طويل القامة وسيم الطلعة، يحمل علبة مغلفة بورق الهدايا، كان لون الورق أخضر زاهي، به خطوط رفيعة سوداء ومربوط بربطة ذهبية. أخذ يبحث بين المرضي، ثم قابله الطبيب وقاده إلى غرفتها. فتح الطبيب باب غرفتها وفجأة صرخ: الممرضة سماح تعالي بسرعة! ووُلدت حالة إستنفار قصوى في كل المكان، وسقط الصندوق المغلف بورق الهدايا من بين يدي الشاب، وأصابه الذهول وهو يسمع الأطباء يقولون: لقد انتحرت! كانت قد فارقت الحياة قبل وصوله، لقد سمع بما حدث من أحد أصدقائه الأطباء الذين تصادف وجودهم في المستشفى، كان يعرفه ويعرف قصتهما، وقد حضر فوراً بأول طائرة فور علمه, ولكنها ماتت! تاركة له كل الحياة ليعيش فيها حراً، بعيداً عن قيود حبها، ظل ينظر باندهاش، وفجأة أجهش بالبكاء. تقدم ناحية الأطباء وهو غير مصدق ما يحدث، لا يصدق أنها ماتت.
إندفع الناس ناحية الكبرى عندما رأوا شاباً قفز من فوق الكبرى، ظل الناس ينظرون إليه من فوق سور الكبرى، وتصادف وجود مركب أحد الصيادين، فرفعه أحد الصيادين إلى داخل المركب، ثم بمساعدة بعض الناس طرحوه في أحد ضفتي النهر، وظل الناس يتوافدون والفضول يسبقهم, وظلت روح الشاب تتعذّب إلى أن فارق الحياة. وعندما تذكر الناس طلب الاسعاف وعندما طلبوه، كان الشاب جثة هامدة. جاء الاسعاف وحمل جثة الشاب، وبعد التحقيق اتضح أنها جثة شاب يدعى مرتضى. كان في الخارج وعاد منذ يوم ليجد حبيبته قد انتحرت، فقرر اللحاق بها والانتحار، قفز في نفس المكان الذي حاولت حبيبته الانتحار منه.
كان الرجل يمسك بالجريدة, ويقرأ هذه الأحداث، ثم حمل الجريدة, ووضعها فوق رأسه لتحميه من حر الشمس الشديد، وسار مسرعاً ليحلق بالبص.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير

القنوات الفضائية المباشرة