الثلاثاء, 14 ابرايل 2020 01:31 مساءً 0 93 0
أيام وليالي
أيام وليالي

علي سلطان

بين الفانتازيا  والنوستالجيا ..تلك الأماكن.

هل افتقدتني الأماكن ام افتقدتها..؟ سؤال حائر ربما.. وربما الإجابة تكون حائرة ايضا او حائرة مثلي وانا افتقد أماكن بعينها في هذه الدنيا الواسعة التي اصبحت الان أضيق من ثقب ابرة بهذه الجائحة التي ادخلتنا في (فتيل).. وفتيل هذه الكلمة الظريفة التي هي نتاج ثورة ديسمبر 2019 السودانية التي أدخلت مفردات وجُملا جديدة كان لها وقعها وأثرها في حياة الناس.. وَمثلما تجدد الثوراتُ الحياةَ والحيوات.. تجدد الثورة ايضا  المفرداتِ والكلمات ..ذلك أن وقود الثورات هي  الكلمات جنبا الى جنب مع الشهادة والشهداء وتلك الدماء الزكية الزاكية التي تراق فداء الوطن والحياة.
أعود إلى الأماكن التي افتقدها وهي كثيرة جدا  في مواقع كثيرة حول العالم  حيث لدي أماكن عديدة  فيها خفقات قلب خلي.. و قصة حب لم تكتمل فصولها وظلت تتأرجح على جدران  قلبي المتيم المثقل بالجراح.. واتساءل في لهفتي تلك عن الأماكن التي احببتها ومازال قلبي يخفق بحبها هل تشتاق اليّ كما اشتاق اليها.. لا أتحدث عن البشر.. فذاك شوق متبادل.. ولكن تلك الأماكن البكماء التي ربما  تتحدث إليك ولا تسمع صوتها ولكن قطعا لها لغتها واصواتها وحنينها واشواقها.. أجد حنية المكان في صوت أمير الغناء العربي وفنان العرب  محمد عبده.. يعذبني هذا الصوت حنينا والفة وبعادا..(الأماكن كلها مشتاقة لك..) يحملني صوته العذب الى مدينة جدة وشوارعها وازقتها وشبابيكها تلك المشربيات القديمة الرائعة وكان رائحة اخشابها ودهانها يفوح عطرها منها يحكي قصة أيامها الذهبية التي ولت بكل مافيها من خفقات ومشاعر واحاسيس. ومازلت محبا لصوت الراحل طلال مداح رغم انه لا يرتبط في مخيلتي بمكان  ما.. الأصواتُ السعودية في الغناء لها تطريب خاص يغوص في الوجدان أجد في  الغناء السعودي  حنينا عجيبا وسحرا خاصا والفة..ربما يكون هناك  رابط ما مع الشعر العربي  القديم والغناء وتلك البحور الزاخرة والمترعة في عمق الكلمة العربية الجزلي بالوان الحروف كأنها قوس قزح..!!
ولكني أجد ذلك الاحساس العميق الآثر في غنأء الفنان الكويتي  العملاق عبدالكريم عبد القادر  الذي  يسرق دموعي بغتة وكأنه يملك مفاتيح قلبي ونبضي.
تلك الأماكن المترعة بالحنين اتذكرها من بعيد تختلط عندي بصوت محمد عبده.. ابعاد ولا قريبين.. وهذه الكَورونا صنعت لنا بعدا مكانيا من نوع خاص جدا فابقتنا مسجونين في بيوتنا.. وحتى خيالنا الجامح اصبح مستأنسا كسير الجناح.
ثمة أماكن كثيرة اعتقد انها تشتاق اليّ كما اشتاق اليها..  وقد طال بنا الامد.. اشتاق الى ام القيوين وعهد الشباب الأول بين خليج وشاطئ ورمل وحكايات.. والى بحر  اسكندرية في صباح مبكر وقد عاد الصيادون ومراكبهم عامرة بصيد وفير من الأسماك.. اشتاق الى محطة الرمل والترام رحلات وحركة لا تهدا ليل نهار.. والقهاوي من حولها تضج بالحياة والحيوية والنكات والضحكات مع كركرة الشيشة في وعائها الزجاجي ورغم أنني لا ادخنها ولم اجربها من قبل رغم كل المغريات الا انني تعجبني طريقة اعدادها وطريقة تدخينها.. وهو إعجاب لا يتجاوز ومكان تدخينها في قهوة قديمة ما في زقاق اسكندراني ما.. واشتاق الى شارع المشاة في  اوديسا في جنوب أوكرانيا مدينتي الحبلى بكل جميل ومدهش منذ عهد حصان طروادة.. في ذلك الشارع الرائع الذي لم تطأ أرضه عربة ولم يلَوثه دخان  عادم سيارة.. تحلو الحياة بين عشرات الكافيهات والمقاهي في نظام وتنسيق  بديع والباعة يتفنون في عرض بضائعهم وبين كل مقهى وبائع عازفو الموسيقى وقارعو الطبول والمغنيات بازيائهن المزركشة.. كنا نقضي جزء كبيرا من النهار وساعات من المساء والليل في هذا الشارع الذي لا تنقضي عجائبه.. هل يتذكرني مقعدي الاثير في ذلك الركن الاثير في المقهي الإيطالي الجميل.. هل يتذكرني صاحبي يوري وقد رحل صديقنا  نيكولا غوزيل وصعدت روحه الى بارئها.. كم احزنني موته..
يا لاماسي الكورونا  بين الجدران.. وخيالك لا يجلب لك جميل الذكريات ورقيق المفردات.. هل اصبحت بضاعتنا خاوية..ربما في صوت محمد عبده بعض العزاء.. ابعاد كنتم  ولا قريبين.. وكل الأماكن مشتاقة لك.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

hala ali
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

اعلانات اخبار اليوم