منذ 3 يوم 0 47 0
بروفسير محمد حسن سنادة...حزن الرحيلبروفسير محمد حسن سنادة...حزن الرحيل رؤئ
بروفسير محمد حسن سنادة...حزن الرحيلبروفسير محمد حسن سنادة...حزن الرحيل رؤئ


هشام عباس زكريا
في بعض المرات يطغى موج الحزن على شاطئ الحياة، فتغرق خضرة الأقلام، وتذبل الكلمات، فنتأخر في التعبير عن مشاعرنا، هكذا صار الحال، وقد تناقلت الأنباء رحيل أستاذنا الفاضل العالم الفيزيائي البروفسير محمد حسن أحمد سنادة، وهو الأستاذ الجامعي المعروف في الأوساط الأكاديمية السودانية، تقول السيرة الذاتية المختصرة عن فقيدنا إنه من مواليد جزيرة تنقسي بمحلية الدبة بالولاية الشمالية في العام (1942) ، درس في الشمالية والخرطوم ، ثم حصل على بكالوريوس الفيزياء في جامعة (أوديسا) بالاتحاد السوفيتي سابقاً في العام ( 1967)، ثم بعد ذلك  دبلوم التربية، ونال  درجة الدكتوراه في الفيزياء في العام(1984) في جامعة (إدنبرة) في أسكتلندا،عمل البروف سنادة بعد حضوره للسودان معلماً في المراحل الثانوية، ثم أستاذا بكلية التربية بجامعة الخرطوم حيث عمل رئيساً لقسم الفيزياء في الفترة من 1988-1990 ،وانتقل بعد ذلك عميداَ لكلية التربية بجامعة وادي النيل بعطبرة في الفترة من العام 199- 1994، وعمل لفترة وجيزة نائباً لمدير جامعة البحر الأحمر، وفي العام 1994 أصبح المدير الثالث لجامعة وادي النيل، بعد المدير المؤسس البروفسير محمد عثمان عبد المالك، والمدير الثاني البروفسير عبد الباقي عبد الغني، وفي العام 2000 انتهت مدة تكليف بروف سنادة مديراً لجامعة وادي النيل، وتفرغ بعد ذلك لتأسيس المؤسسات الجامعية الجديدة، فكان العميد المؤسس للكلية الأردنية السودانية، وساهم بعد ذلك في تأسيس برامج جامعة السودان المفتوحة مؤلفاً لبعض كتب الفيزياء ومستشاراً للمدير، وختم حياته بجامعة أفريقيا العالمية.
كان من حسن حظي أن أكون قريباً من أستاذنا بروف سنادة في مرحلتين، المرحلة التي عمل فيها مديراً لجامعة وادي النيل، ثم المرحلة التي عمل فيها بجامعة السودان المفتوحة، وقد صادف أول عام له بوادي النيل تعييننا كمساعدي تدريس في العام 1995 ،ظللنا نسمع باسمه الكبير، حيث كنا طلاباً بالمرحلة الثانوية نأتي لكلية التربية للمذاكرة بحكم أنها تقع في الحي الذي نسكن به بعطبرة، ظللنا نشاهد البروف سنادة بحضوره المهيب ووجوده المستمر بالكلية، وما كنا ندري أن الأقدار تخبئ لنا أن نعمل مع ذلكم الرجل العظيم الشخصية، استقبلنا البروف ونحن على أعتاب خطواتنا الأولى في التدريس الجامعي، فلم يكن مديرا أو رئيساً أو قائداً، بل كان هو الأب بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني.
إن شخصية أستاذنا البروف سنادة يمكن النظر إليها من عدة نوافذ ،فهو ذو شخصية أكاديمية صارمة، متمكن من تخصصه حد التمكن، ذلك مقرون بثقافة عالية بالتخصصات الأخرى خاصة التاريخ والفنون والآثار، فكم نظم لنا زيارات إلى النقعة والمصورات وأهرامات البجراوية، وله اهتمام خاص بالموسيقى وكان كثير الاهتمام بالمناشط التي تقيمها كلية المعلمين في هذا المجال، ولا زلت أتذكر حضوره بروفات نشيد الجامعة الذي قام بتأليف كلماته الدكتور هاشم(كلية المعلمين) والالحان والتوزيع للدكتور محمد حميدة، والأداء لطلاب كلية المعلمين وقد تم تسجيل هذا الشعار الصوتي بإذاعة عطبرة ، كما ساهم البروف سنادة في ربط الفيزياء بالقرآن الكريم في بحوثه ومؤلفاته. إذا التقيت البروف سنادة أيام كان مديراَ لجامعة وادي النيل، فإما أن يحكي لك عن الجامعة أو يتناول قضايا فكرية أو تاريخية أو فنية في غاية العمق، ويواصل معك الجلسات في حلقات ، ويذَكرك بما دار بينكم من حديث في اللقاء السابق، كانت له مقدرة عالية على التذكر واستدعاء التفاصيل الدقيقة التي ننساها ونتجاهلها، بالإضافة إلى ذلك كان يحب النوادر والقصص والحكايات، والقفشات، يحكيها لك بهدوء دون أن يضحك ،كان يبتسم فقط.
كان مكتب مدير الجامعة يقع بالجهة الشمالية الغربية لكلية الاقتصاد بالدامر الحبيبة، وعلى الجهة المقابلة مكتب وكيل الجامعة الرجل الضحوك الدكتور عطا عبد الله ،لم يكن يصدر الشيكات فقط، ولكن كان يغذي مخزن الأفراح لكل داخل إليه بعدد كبير من النكات والمزح اللطيف ،تم المكتب المجاور له، المراقب المالي العم عثمان نعيم الرجل الكريم الذي يحلف(بالطلاق) الأ تطرح مشكلتك قبل أن تشرب الشاي والقهوة عنده، لدرجة أن هناك بائعة شاي خصصت عملها له فقط أسفل الشباك الجنوبي لمكتبه، تقوم بالضيافة في كل الحالات سواء هو موجود أو غير موجود(من حر مال العم عثمان) ،أتذكر أن أحدهم جاء إلى الوكيل طالباً سلفية وذلك لعمل (سماية)  لمولوده الجديد، لكن الوكيل اعتذر، فمًر صاحبنا على العم عثمان نعيم ،وبعد أن شرب الشاي حكي الحاصل لعمنا عثمان، الذي غضب وتبدلت حالته، وأخذ الطلب من صاحبنا، ووضعه أمام الوكيل وقال بصوت مرتفع (علىً الطلاق تصدق) فما كان من الوكيل إلا التوقيع، هكذا كانت جامعة وادي النيل ،وستظل منبع الود والإخاء والخير والأخلاق الفاضلة، ومكان الشخصيات العظيمة التي يكررها الزمان، فأنا لست مع مقولة (شخصية لن تتكرر).
ظل أستاذنا البروفسير سنادة وعاءً متدفقاً من الزهد ،وله في ذلك قصص كثيرة طالما كانت وحي أحاديثنا عندما يجئء الاستشهاد عن ظواهر الزهد والزاهدين،وأعمق مشهد يومي هو تناوله الفطور داخل مكتبه بصحن واحد هو (الفول)يشاركه سائقه الأخ جاد الله،وليت مدير الخدمات في تلك الفترة الأخ عادل الطيب يحكي لنا تلكم القصص والحكايات عن زهد ونزاهة أستاذنا البروف الذي كان عودته من أي سفرية خارجية يورد ما تبقى له من عملات أجنبية مهما كان المبلغ المتبقي ضئيلاً.
لا شك القارئ الكريم أن الزهد يرتبط بالتواضع وانزال الناس منازلهم ،فقد كانت أهم شخصية لدى البروف سنادة هو العم أمين (رحمه الله)،وهو خفير القاعات الشهير بكلية التربية نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، كان (العم أمين)  قمة في الانضباط، يحتفظ بكتلة المفاتيح في يده ،وعنده نسخة من جدول المحاضرات يضعه في جيبه، ثم يجعل الطلاب يقرؤونه له مرات ومرات حتى يحفظه، وبعد ذلك لا يفتح باب القاعة إلا إذا رأى الأستاذ والطلاب يتجهون إليها، كنا تأتي في الفترة المسائية إلى كلية التربية لتدريس طلاب الدبلومات، لم يقتنع (العم أمين) أننا بلغنا مبلغ التدريس والمدرسين، فهو يرانا صغار في السن تماماَ في سن الطلاب، كان يفتح لنا القاعات وهو نفسياً غير مقتنع بذلك، ولكن تغيرت معاملته معنا عندما زارنا البروف سنادة ومعه أستاذنا الدكتور عثمان عوض السيد عميد كلية التربية في تلكم الفترة، وشاهد كم تتحرمنا تلكم الشخصيات الكبيرة فتبدل حال (العم أمين) تماماً تجاهنا، كنت في تلكم الفترة مسؤولا ضمن مجموعة من الزملاء بوحدة الدراسات الإضافية(سابقا)،وأذكر عندما نكتب الساعات الشهرية للتصديق كان البروف سنادة ينظر أولا الى أسماء (العم امين) ورفاقه، لا يصدق حتى يطمئن عليهم وعلى حقوقهم .
لقد ترك البروف سنادة إرثاً من الأمانة والزهد والنزاهة ونكران الذات، حتى أنه وبعد انتهاء فترة تكليفه مديراً لجامعة وادي النيل، لم يجد ما يأويه إلا منزل في أقصى الكلاكلة لم يكتمل بناؤه بعد ، والمنزل في حد ذاته قصه من الزهد والقناعة تحتاج لمقال آخر.
لقد كان للبروف سنادة مقدرة كبيرة للعمل في اتجاهات متعددة، فلم يكن فيزيائياَ صرفاً وإنما كان متعدد الاهتمامات ، منفتحاً  على المجتمع ،وأذكر أنه قاد لجنة الوفاق الاجتماعية التي أجرت الكثير من عمليات الصلح والترميمات الاجتماعية بولاية نهر النيل، وخير من يحدثنا عن هذه اللجنة من المعاصرين الرمز العطبراوي (العم عبد الحافظ عبد السلام) عضو اللجنة ومرافق البروف في سفرياته لقرى ومناطق نهر النيل، كما أنه منفتح على كل ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي والثقافي والفني في توازن وموضوعية واستقلالية للجامعة، الأمر الذي جعل حفل وداعه من عطبرة حشداَ لم يتكرر ووفاءَ تدفق من أفئدة أهالي نهر النيل التي أحبها فأحيته.
إن الكتابة عن أستاذنا الراحل البروفسير محمد حسن سنادة ،هو الكتابة عن تاريخ ناصع سطره في جامعتي وادي النيل والسودان المفتوحة والمؤسسات الأكاديمية الأخرى التي عمل بها، وكفاه مشاركاته التأسيسية بالجامعة المفتوحة مؤلفاَ ومستشاراً ومنسقاً لبرنامج التربية، وكان لوجوده وسط كوكبة الأكاديميين من الشباب بالجامعة الأثر الكبير في تراكم الخبرات، لذا تجد بصمته واضحة في أفئدة الشباب الذين يقودون الجامعة الآن، فقد جاء للجامعة المفتوحة بعد تجربة كبيرة في هذا المجال بجامعة وادي النيل حيث انطلقت برامج التعليم المفتوح بعد أن أسسها بوادي النيل إلى الأردن وقطر وسوريا وغيرها.
رحمك الله أستاذنا أبو أسامة، ونسأل الله لك الفوز والغفران، وستظل في ذاكرتنا عنواناً للعلم والأمانة والإخاء والود والابتكار والانجاز والتواضع والزهد، والعزاء لأسرتك الصغيرة وأسرتك الكبيرة بمؤسسات التعليم العالي، إنا لله وإنا إليه راجعون.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

اعلانات اخبار اليوم